أحمد ناجي
صديقي القارئ عند حضوري حفل لفرقة موسيقية رائعة في أحد دور الأوبرا، رغم صخب المكان وازدحامه وارتفاع أصوات الآلات الموسيقية المختلفة وتناغمها إلا أنني تركت كل ذلك شردت بذهني، و عيناي لا تفارق مايسترو الفرقة الذي يقف امام فرقته تاركا العزف على جميع الآلات الموسيقية ومتفرغ لمساع التي يقود بها فرقته، ذلك الفريق بجميع علمه وخبراته وحواسه بثقته لا يمكنهم الانسجام دون ذلك المايسترو الذي وقف يقود فرقته واعطاهم الثقة والصلاحيات، فبلا شك انه اجتمع معهم مرارا وتكرارا للتحضير لذلك الحفل وراقب عملهم كل على حدة ثم راقب عملهم كفريق منسجم متناغم لكي يقدم تلك المعزوفة الرائعة التي اكاد اجزم انني لم اسمع منها شيئا.
صديقي القارئ الجميل، من خلال عملي المتواضع في العديد من الشركات وجدت أن العمل يدار بصلاحيات وهمية وإن اتخاذ القرار غالبا ما يكون في يد ذلك المنشأة او ما يعرف بالشيخ، صراحة لا أرغب في ان اظلم الشيخ كثيرا في هذا السياق فقد يكون متخذ القرار هو نفسه من يخشى استخدام صلاحيته خوفا من الشيخ او اعتقادا ان ذلك سيغريه للشيخ أكثر، او قد يكون سبق واتخذ قرارات ولم يتجنب الشيخ فمنعه من موافقته السابقة، وقد يكون ايضا الشيخ نفسه هو من لا يثق في قرارات الغير ويتدخل في كل القرارات ولا يعجبه شيء وهذه المصيبة.
بلا أدنى شك وجود القائد مهم فلا يوجد فرقة تعزف دون مايسترو ولا منظمة تسير دون قائدها، ولكن حذاري أيها المايسترو أن تترك منصبك كمايسترو وتنزل لتعويض مكان أحد العازفين أو فقط لانتقاد فننا منك أن ذلك سيرفع من جودة العمل، تأكد تماما ان تركك لمنصبك ضرره اكبر من تعويضك لذلك النقص، دورك هو التخطيط والتحضير وإيجاد الحل والعمل عليه وإعطاء الصلاحيات وتدريب وتطوير فريقك وحثهم على المبادرة وتصحيح اخطائهم دون النظر في عيوبهم فقط.
بنهاية المعزوفة التي لم استمع اليها جيدا شاهدت اخيرا وجه ذلك المايسترو مبتسما ويقوم كل الجمهور بتحيته بتصفيق حار يقف بعدها جميع العازفين لينالوا نفس التحية والتصفيق، تعلمت من هنا بأن نجاح القائد من نجاح فريقه ولا يمكن لقائد ان ينجح دون فريقه..
لكن …
الصدمة!! انهارت منظمات كانت في اوج عطائها وكان من أسباب انهيارها هو عدم ثقة الشيخ في موظفيه وكثرة التخبط في أعمالهم خلق ذلك التناقض في ولاء الفريق مما أدى الى تكوين فرق وجماعات داخلية وصل بهم الحال الى الانسحاب تدريجيا وتأسيس منظمة جديدة تستخدم نفس تقنيات منظمة الشيخ ولكن عالجت المشاكل والأخطاء وعممت الثقة والصلاحيات ورفعت الولاء فكسبت ثقة موظفيها والعملاء، وبخبرات فريقها استطاعت اسقاط المنظمة التي يرأسها ذلك الشيخ.
الفرق بين الشيخ والمايسترو صديقي القارئ هي الثقة فلو وثق الشيخ في فريقه معاملة المايسترو لفرقته ولو وثق كل موظف بذاته مثل ما يثق كل عازف، لما انتظر اتخاذ الشيخ قرارات بدلا عنه، بل عزز القائد الصلاحيات ومنح الثقة ووضع مناقشة ولاء موظفيه وتنمية مهاراتهم وقدراتهم التي تساعدهم على اتخاذ القرارات بشكل صحيح فلا مانع فكل ابن آدم خطاء، لا تعاقبه على الخطأ ولكن قم بمناصحته ومراقبته وتقويمه دائما للتأكد من أن سير العمل يمشي بنفس الوتيرة.
لذا كن مايسترو لا تكن شيخا!!